الصالحي الشامي

137

سبل الهدى والرشاد

يكون من باب تسمية الشئ بما قاربه ، فإن كان على الحقيقة فتكون هذه الأنهار تنبع من أصل الشجرة نفسها فتكون الشجرة طعمها نبق وأصلها ينبع منه الماء ، والقدرة لا تعجز عن هذا . وإن كان من باب تسمية الشئ بما قاربه فتكون الأنهار تنبع قريبا من أصل الشجرة ) . التنبيه التاسع والخمسون : في قوله : ( أما الباطنان فنهران في الجنة ) ، دليل على أن الباطن أجل من الظاهر ، لأنه لما كان الباطنان أصلا جعلا في دار البقاء ، ولما كان الظاهران أقل أخرجا إلى دار الفناء ، ومن ثم كان الاعتماد على ما في الباطن ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ) . التنبيه الستون : في حديث أبي سعيد : ( فإذا فيها - أي السماء السابعة - عين تجري يقال لها السلسبيل فينشق منها نهران أحدهما نهر الكوثر والاخر يقال له نهر الرحمة . ( ويمكن أن يفسر بهما النهران الباطنان المذكوران في الحديث ، وكذا روي عن مقاتل ، قال : ( الباطنان السلسبيل والكوثر ) . التنبيه الحادي والستون : قال النووي في هذا الحديث : إن أصل النيل والفرات من الجنة وأنهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى ثم يسيران حيث شاء الله تعالى ثم ينزلان إلى الأرض ثم يسيران فيها ثم يخرجان منها . وهذا لا يمنعه العقل وقد شهد به ظاهر الخبر فليعتمد ) . التنبيه الثاني والستون : استدل بهذا الحديث على فضيلة ماء النيل والفرات لكون منبعهما من الجنة . وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة ) ( 1 ) . قال العلماء : والمراد به أن في الأرض أربعة أنهار أصلها من الجنة وحينئذ لم يثبت لسيحان وجيحان أنهما ينبعان من أصل سدرة المنتهى ، فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك ، وأما الباطنان المذكوران في الحديث فهما غير سيحان وجيحان . قال القرطبي : ( لعل ترك ذكرهما في حديث الاسراء لكونهما ليسا أصلا برأسهما وإنما يحتمل أن يتفرعا من النيل والفرات ) . التنبيه الثالث والستون : قيل : إنما أطلق على هذه الأنهار أنها من الجنة تشبيها لها بأنهار الجنة لما فيها من شدة العذوبة والحسن والبركة . قال القرطبي : والأولى أنهار من أنهار الجنة . وقال غيره : صورة انصبابها كانصباب المطر متفرقا ثم يجتمع في مواقعها في الأرض إلى أن ينساق كل منها إلى مستقره ومجراه . ويحتمل أن يكون انصبابها في نواحي الأرض

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في كتاب الجنة ( 26 ) وأحمد في المسند 2 / 289 والبغوي في التفسير 6 / 177 .